الشيخ عبد الغني النابلسي

120

كتاب الوجود

« بل هو هالك أزلا وأبدا ، فوجودات الأشياء المحسوسة « 1 » ليس كالوجودات التي لعكوس شخص واحد في مرايا متعددة ، أو كالموجودات التي للشيء المرتسم في الخيالات المتعددة ، أو كالظلال المرئية في مقابلة الأضواء على ما قال بعض العارفين : كل ما في الكون واهم خيال * أو عكوس في مرايا أو ظلال وحاصل ما اتفق عليه العارفون هو أن جميع الممكنات هالكة في حال وجودها حقيقة ؛ إنما الموجودات ، بل الوجود هو اللّه تعالى تجلى « 2 » فيها كما تجلى الشخص الواحد في المرايا المتعددة ، وليس لها جهة في الموجودية سوى هذا التجلي ، ومن هذه الجهة يطلق عليها لفظ الموجود » انتهى . وقال تعالى : كُلُّ مَنْ عَلَيْها فانٍ * وَيَبْقى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالْإِكْرامِ ( الرحمن : 26 ، 27 ) . قال البيضاوي - رحمه اللّه تعالى - : « ويبقى وجه ربك ؛ أي ذاته ، ولو استقرت جهات الموجودات وتفحصت عن وجوهها وجدتها بأسرها فانية في حد ذاتها إلا وجه اللّه ؛ أي الوجه الذي يلي جهته » انتهى . وهو الوجود الحق الذي ذكرناه . وقال أيضا في قوله تعالى : كُلُّ شَيْءٍ هالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ ( القصص : 88 ) : « أي إلا ذاته ، فإن ما عداه ممكن هالك في حد ذاته معدوم » انتهى . وورد في الخبر عن النبي صلى اللّه عليه وسلم أنه قال : « كان اللّه ولا شيء معه ، وهو الآن على ما عليه كان » . وفي الصحيحين عنه صلى اللّه عليه وسلم أنه قال : « أصدق كلمة قالها شاعر قول لبيد « 3 » :

--> ( 1 ) انظر ما تقدم قبل هذا . ( 2 ) الغزالي يذهب إلى أن اللّه تعالى عالم بجميع المعلومات الموجودات المعدومات ، ومحيط بكل المخلوقات ، لا يعزب عن علمه مثقال ذرة في الأرض ولا في السماء ، وهو يقسم الموجودات إلى قديم وحادث ، ويقول : إن القديم ذاته وصفاته ( اللّه ) ، والحادث الموجودات التي أوجدها اللّه . [ الاقتصاد في الاعتقاد ( 47 ) ] . ( 3 ) لبيد بن ربيعة بن مالك ، أبو عقيل الهوازنى العامري ، الشاعر المشهور ، الذي له : ألا كل شيء ما خلا اللّه باطل * وكل نعيم لا محالة زائل -